أبو علي سينا
مقدمة 4
منطق المشرقيين والقصيدة المزدوجة في المنطق
ورتبتها في تلك الظهور . ثم نظرت فيما عساها تنتج ، وراعيت شروط مقدماته ، حتى تحققت لي حقيقة تلك المسألة ، وكلما كنت أتحير في مسئلة أو لم أكن أظفر بالحد الأوسط في قياس ترددت إلى الجامع وصليت وابتهلت إلى مبدع الكل حتى فتح لي المنغلق وتيسر المتعسر ، وكنت أرجع بالليل إلى داري واضع السراج بين يدي ، واشتغل بالقراءة والكتابة ، فمهما غلبني النوم أو شعرت بضعف عدلت إلى شرب قدح من الشراب ، ريثما تعود إلي قوتي ، ثم ارجع إلى القراءة ، ومتى أخذني أدنى نوم أحلم بتلك المسائل بأعيانها ، حتى أن كثيرا من المسائل اتضح لي وجوهها في المنام ، ولم أزل كذلك حتى استحكم معي جميع العلوم ، ووقفت عليها بحسب الامكان الانساني ، وكل ما علمته في ذلك الوقت فهو كما علمته الآن لم ازدد فيه إلى اليوم ، حتى أحكمت ( علم المنطق ) و ( الطبيعي ) و ( الرياضي ) . ثم عدلت إلى ( الإلهي ) ، وقرأت ( كتاب ما بعد الطبيعة ) فما كنت أفهم ما فيه ، والتبس علي غرض واضعه حتى أعدت قراءته أربعين مرة وصار لي محفوظا وانا مع ذلك لا أفهمه ولا المقصود به ، وأيست من نفسي ، وقلت هذا كتاب لا سبيل إلى فهمه . وإذا انا في يوم من الأيام ، حضرت وقت العصر في الوراقين ، وبيد دلال مجلد ينادي عليه ، فعرضه علي فرددته رد متبرم معتقد ان لا فائدة في هذا العلم ، فقال لي اشتر مني هذا فإنه رخيص ابيعكه بثلاثة دراهم وصاحبه محتاج إلى ثمنه . فاشتريته فإذا هو كتاب ( أبي نصر الفارابي ) في ( اغراض كتاب ما بعد الطبيعة ) . ورجعت إلى بيتي ، وأسرعت قراءته فانفتح علي في الوقت أغراض ذلك الكتاب ، بسبب أنه كان لي محفوظا على ظهر القلب ، وفرحت بذلك ، وتصدقت في ثاني يوم بشيء كثير على الفقراء ، شكر اللّه تعالى . وكان سلطان بخارى في ذلك الوقت ( نوح بن منصور ) ، واتفق له مرض حار الأطباء فيه ، وكان اسمي اشتهر بينهم بالتوفر على القراءة ، فأجروا ذكري بين يديه وسألوه احضاري ، فحضرت وشاركتهم في مداواته ، وتوسمت بخدمته ، فسألته